الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

293

نفحات القرآن

توضيحات 1 - المعاد لدى شعوب ما قبل التاريخ نحن نعلم بأنّ حياة البشرية تقسّم إلى مرحلتين : مرحلة ما بعد اختراع الكتابة عندما تمكن الإنسان من تدوين شيء من نفسه وسمّيت هذه المرحلة بمرحلة التاريخ ، ومرحلة ما قبل اختراع الكتابة ، فمن الطبيعي أنّ الإنسان لم يكن في هذه المرحلة قادراً على تدوين شيءٍ ممّا كان يدور حوله كي يصبح له تاريخ مدوّن ، وأطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة ما قبل التاريخ . لكن عدم اختراع الكتابة في تلك العصور لم يكن حائلًا أبداً أمام معرفتنا لأوضاع تلك الشعوب ، وذلك لأنّ ما خلّفوه من آثار تحت التراب وفي المغارات وغيرها كثير جدّاً ممّا يسهّل الكشف عن مجهولات كثيرة في أسلوب معيشتهم . فالعلماء ما زالوا مستمرين في التنقيب في مختلف أنحاء العالم عن الآلات المختلفة التي كان الإنسان يستخدمها في تلك الفترة وما زالوا ينقّبون عن بيوتهم وقراهم التي كانوا يسكنونها ، كي يطالعوها بدقّة بعد العثور عليها ليدوّنوا ما يكتشفونه من عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم فيتوصلوا عن هذا الطريق إلى معرفة طقوسهم وعقائدهم الدينية أيضاً . يقول عالم الاجتماع الشهير « صاموئيل كينغ » في كتابه : « إنّ أسلاف الإنسان الحالي ( الذين عُثر على آثارهم خلال التنقيب ) أي « النياندرتال » كانوا يمارسون طقوساً دينية ، والدليل على ذلك هو دفنهم أمواتهم بطريقة خاصة ودفنهم آلاتِ عملهم معهم وهذا ما يكشف عن عقيدتهم بوجود عالم آخر » « 1 » . ونحن نعلم بأنّ نسل النياندرتال يتعلق بعصورمضت عليها عشرات الآلاف من السنين في زمانٍ لم تخترع فيه الكتابة ولم تدخل مرحلة التاريخ البشري . إنّ عملهم هذا كان خرافياً وهذا ممّا لا شك فيه ، لأننا نعلم بأنّ آلات العمل لا تنفع الإنسان في الآخرة ، لكنّ المحفّز لعملهم هذا هو الإيمان بالحياة بعد الموت كان واقعاً متجسداً بينهم .

--> ( 1 ) علم الاجتماع ، ساموئيل كينغ ، ج 1 ، ص 291 .